الحديث المضطرب
تعريف الحديث المضطرب
المضطرب في اللغة اسم فاعل من الاضطراب، وهو اختلاف الأمر واختلال نظامه، أما في اصطلاح المحدثين فيقصدون به “الحديث الذي تختلف الرواية فيه، فيرويه بعضهم على وجه وبعضهم على وجه آخر مخالف له، وإنما نسميه مضطربا إذا تساوت الروايتان”[1].
فالمضطرب كل حديث تتعدد رواياته، وهي على تعددها متساوية لا يمكن ترجيح إحداها بشيء من وجوه الرجيح، وقد يرويه راو واحد مرتين أو أكثر، أو يرويه اثنان أو رواة متعددون.
ومنشأ الضعف فيه ما يقع من الاختلاف حول حفظ رواته وضبطهم؛ لأن انتفاء هذا الاختلاف معناه رجحان إحدى الروايات بما ثبت لراويها من حفظ أو ضبط أو طول سماع لمن أدى عنه. لذلك لا يسمى «مُضْطَرِبًا» إذا ترجحت فيه إحدى الروايتين أو الروايات، قال ابن الصلاح: “أما إذا ترجحت إحداهما ـ يقصد رحمه الله الروايتين ـ بحيث لا تقاومها الأخرى بأن يكون راويها أحفظ، أو أكثر صحبة للمروي عنه، أو غير ذلك من وجوه الترجيحات المعتمدة، فالحكم للراجحة، ولا يطلق عليه حينئذ وصف المضطرب ولا له حكمه”[2].
ويقع الاضطراب في متن الحديث، وقد يقع في الإسناد، وقد يقع ذلك من راو واحد وقد يقع من أكثر من راو، وقلّ أن يحكم المحدّث على الحديث بالاضطراب في المتن وحده دون الإسناد.
أمثلة الحديث المضطرب
ومن أمثلة الاضطراب في السند:
ـ ما روي عن إسماعيل بن أمية عن أبي عمرو بن محمد بن حريث عن جده حريث عن أبي هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في المصلي: “إذا لم يجد عصا ينصبها بين يديه فليخط خطا”. قال ابن الصلاح معلقا على الحديث: “فرواه بشر بن المفضل وروح بن القاسم عن إسماعيل هكذا. ورواه سفيان الثوري عنه عن أبي عمرو بن حريث عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه حميد بن الأسود عن إسماعيل عن أبي عمرو بن محمد بن حريث بن سليم عن أبيه عن أبي هريرة. ورواه وهيب، وعبد الوارث عن إسماعيل عن أبي عمرو بن حريث عن جده حريث. وقال عبد الرزاق عن ابن جريج سمع إسماعيل عن حريث بن عمار عن أبي هريرة، وفيه من الاضطراب أكثر كما ذكرناه، والله أعلم”[3].
ـ ما روي عن أبي بكر رضي الله عنه أنه قال: «يا رسول الله أراك شبت، قال: شيبتني هود وأخواتها»، قال الدارقطني معلقا على الحديث: “هذا مضطرب فإنه لم يرو إلا من طريق أبي إسحاق، وقد اختلف عليه فيه على نحو عشرة أوجه، فمنهم من رواه مرسلا، ومنهم من رواه موصولا، ومنهم من جعله من مسند أبي بكر، ومنهم من جعله من مسند سعد، ومنهم من جعله من مسند عائشة وغير ذلك، ورواته ثقات لا يمكن ترجيح بعضهم على بعض، والجمع متعذر”[4].
ومثال الاضطراب في المتن:
ـ ومثال الاضطراب في المتن حديث البسملة الذي أخرجه مسلم في “صحيحه” من رواية الوليد بن مسلم، قال: حدثنا الأوزاعي عن قتادة أنه كتب إليه يخبره عن أنس بن مالك، أنه حدثه قال: “صليت خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون بـ {الحمد لله رب العالمين}، لا يذكرون {بسم الله الرحمن الرحيم} (الفاتحة: 1) في أول قراءة ولا في آخرها”[5].
فهذه العبارة الأخيرة التي ينص فيها الراوي على نفي قراءة البسملة هي المتن المضطرب في هذا الحديث؛ لأن مسلما والبخاري اتفقا على إخراج رواية أخرى في الموضوع نفسه لا يتعرض فيها لذكر البسملة بنفي أو إثبات، وإنما يكتفي الراوي بقوله: «فكانوا يستفتحون القراءة بـ {الحمد لله رب العالمين}» يقصد أن الفاتحة هي السورة التي كانوا يستفتحون بها. ولو وقف الأمر عند هذا الحد لأمكن ترجيح الحديث المتفق عليه، فلم نصف الحديث الأول بالاضطراب، ولكن رواية ثالثة عن أنس تفيد أنه سئل عن الافتتاح بالتسمية، فأجاب أنه لا يحفظ في ذلك شيئا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وتردد مثله في هذه المسالة يحسب له حسابه، فأصبح عسيرا أو متعذرا ترجيح ما يتعلق بالبسملة إثباتا أو نفيا، وتعذر الترجيح كان السبب المباشر في وصفنا لمتن الحديث الأول بالاضطراب[6].
ويجدر التنبيه إلى أن حكم الحديث المضطرب هو الضعف عن تعذر الترجيح أو الجمع بين الروايات. أما إذا وقع الاختلاف في نسب راو أو اسمه أو اسم أبيه مع أنه راو ثقة، فالحديث الذي هذا شأنه يسمى “مضطربا” ولكن تسميته بذلك لا تنفي عنه الحكم بالصحة أو الحسن؛ إنما يكون الاضطراب الموجب للضعف في مثل ما ذكر قبل من صور المضطرب متنا أو سندا.
[1] ـ ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، دار الكتب العلمية، بيروت، الطبعة الأولى، 1995م، ص: 73
[2] ـ نفس المصدر، ص: 73
[3] ـ ابن الصلاح، معرفة أنواع علوم الحديث، ص: 73 ـ 74
[4] ـ السيوطي، تدريب الراوي في شرح تقريب النواوي، تحقيق طارق بن عوض، دار العاصمة للنشر والتوزيع، الطبعة الأولى 2003م، 1/435
[5] ـ مسلم، الجامع الصحيح، كتاب الصلاة، باب حجة من قال لا يجهر بالبسملة، رقم: 399
[6] ـ ينظر صبحي الصالح، علوم الحديث ومصطلحه، دار العلم للملايين، بيروت، الطبعة 15، السنة 1984م، 1/189