قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله :
" ذكر الفقهاءُ رحمهم الله تعالى أن عورة الأَمَة أيضاً ما بين السُّرَّة والرُّكبة ،
ولكن شيخ الإسلام رحمه الله في باب النَّظر عارض هذه المسألة ، كما عارضها ابن حزم في باب النَّظر ، وفي باب الصَّلاة ،
وقال : إن الأمة كالحُرَّة ؛ لأن الطَّبيعة واحدة والخِلْقَة واحدة ، والرِّقُّ وصف عارض خارج عن حقيقتها وماهيَّتها ، ولا دليلَ على التَّفريق بينها وبين الحُرَّة .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
إنَّ الإماء في عهد الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام ، وإن كُنَّ لا يحتجبن كالحرائر ؛ لأن الفتنة بهنَّ أقلُّ ، فَهُنَّ يُشبهنَ القواعدَ من النِّساء اللاتي لا يرجون نكاحاً ،
قال تعالى فيهن : ( فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ ) النور/60 ،
يقول : وأما الإماء التركيَّات الحِسَان الوجوه ، فهذا لا يمكن أبداً أن يَكُنَّ كالإماء في عهد الرسول عليه الصَّلاة والسَّلام ، ويجب عليها أن تستر كلَّ بدنها عن النَّظر ، في باب النَّظر " انتهى من " الشرح الممتع " (2/157-158) .
فقد اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي عَوْرَةِ الأْمَةِ بِالنِّسْبَةِ لِلرَّجُل الأْجْنَبِيِّ :
فَقَال الْمَالِكِيَّةُ - وَهُوَ الأْصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ - :
إِنَّ عَوْرَتَهَا هِيَ مَا بَيْنَ سُرَّتِهَا وَرُكْبَتِهَا .
وَقَال الْحَنَفِيَّةُ : عَوْرَتُهَا مِثْل عَوْرَةِ الْحُرَّةِ بِالنِّسْبَةِ لِمَحَارِمِهَا . ( أي تظهر ما تظهره الحرة لمحارمها ، كالوجه والرأس ونحو ذلك ) .
وَقَال الْحَنَابِلَةُ :
إِنَّ عَوْرَتَهَا كَعَوْرَةِ الْحُرَّةِ لاَ يَجُوزُ أَنْ يَنْظُرَ مِنْهَا إِلاَّ مَا يَجُوزُ النَّظَرُ إِلَيْهِ مِنَ الْحُرَّةِ .
" الموسوعة الفقهية " (31/49-50) .
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله :
" وَإِنَّمَا ضُرِبَ الْحِجَابُ عَلَى النِّسَاءِ لِئَلَّا تُرَى وُجُوهُهُنَّ وَأَيْدِيهِنَّ .
وَالْحِجَابُ مُخْتَصٌّ بِالْحَرَائِرِ دُونَ الْإِمَاءِ كَمَا كَانَتْ سُنَّةُ الْمُؤْمِنِينَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُلَفَائِهِ أَنَّ الْحُرَّةَ تَحْتَجِبُ وَالْأَمَةُ تَبْرُزُ "
انتهى من " مجموع الفتاوى " (15/372) .
وقال أيضا رحمه الله :
" الأصل أن عورة الأمة كعورة الحرة ، كما أن عورة العبد كعورة الحر ،
لكن لما كانت مظنة المهنة والخدمة وحرمتها تنقص عن حرمة الحرة رخص لها في إبداء ما تحتاج إلى إبدائه وقطع شبهها بالحرة وتمييز الحرة عليها ، وذلك يحصل بكشف ضواحيها من رأسها وأطرافها الأربعة ، فأما الظهر والصدر فباق على الأصل "
انتهى من " شرح عمدة الفقه " لابن تيمية - من كتاب الصلاة (ص/275) .
والخلاصة :
أن الشرع جاء بالتفريق بين الحرائر والإماء ، فالحرة تحتجب الحجاب الكامل ، ويجوز للأمة كشف رأسها ويديها ووجهها ؛ لكثرة الحاجة في استخدامهن ، وكان فرض الحجاب عليهن مما يشق مشقة بالغة ، مع عدم حصول الفتنة بهن في الغالب ، لأن النفس ترغب عنهن .
ولكن إذا أدى كشفهن إلى حصول الفتنة ، فإنه يجب عليهن لبس الحجاب ، كما يجب غض البصر عنهن .
قال ابن قدامة رحمه الله :
" .... لَكِنْ إنْ كَانَتْ الْأَمَةُ جَمِيلَةً يُخَافُ الْفِتْنَةُ بِهَا ، حَرُمَ النَّظَرُ إلَيْهَا ... قَالَ أَحْمَدُ فِي الْأَمَةِ إذَا كَانَتْ جَمِيلَةً : تَنْتَقِبُ ، وَلَا يُنْظَرُ إلَى الْمَمْلُوكَةِ ، كَمْ مِنْ نَظْرَةٍ أَلْقَتْ فِي قَلْبِ صَاحِبِهَا الْبَلَابِلَ " انتهى من " المغني " (7/103) .
وقال ابن المنذر رحمه الله :
" ثبت أن عمر قال لأمة رآها متقنعة : اكشفي رأسك ، ولا تشبهي بالحرائر ، وضربها بالدرة . فإن كانت جميلة حرم النظر إليها "
انتهى من " منار السبيل " (2/138) .