سيرة الحبيب المصطفى ﷺ . الحلقة الخامسة والثلاثون
إسلام زيد بن حارثة رضي الله عنه .
اسمه زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب الكلبي .
كانت العرب في الجاهلية تغير على بعضها تقتل وتنهب وتأخذ النساء والاطفال سبايا .
كانوا أشداء على بعضهم يقوى بعضهم على بعض .
كانت امه في زيارة عند اهلها من قبلية أخرى ومعها طفلها زيد فهجمت عليهم قبيلة أخرى وكان من ضمن السبايا هذا الطفل الذي أخذ من حضن أمه .
وفي سوق عكاظ تم عرضه للبيع .
كان في السوق تجار من قريش ومن بينهم رجل يدعى حكيم .
"السيدة خديجة هي عمته" وكان من ضمن المشتريات هذا الطفل .
عند عودته الى مكة حضرت السيدة خديجة تسلم عليه .
وقبل أن تمشي أحب حكيم أن يكرم عمته فقال لها أن يهديها خادم وان تختاره هي بنفسها .
فألهمها الله أن تختار زيد .
كان زيد كما ذكر الصحابه قصير . اسمر . شديد السمرة . أفطس الأنف .
نظرت السيدة خديجة لزيد .
وقالت . أعطني هذا الغلام يا ابن اخي .
وذهبت به الى بيتها ولما دخلت .
قال لها النبي ﷺ من هذا يا خديجة .
طبعآ هذا الكلام قبل البعثة .
قالت خديجة . غلام اعطانيه ابن اخي حكيم هدية .
نظر النبي ﷺ اليه نظرة شفقة ورحمة .
قال ﷺ . ياخديجة هذا الصبي ليس اعجمي .
ووضع ﷺ يده على رأس الصبي بكل لطف وشفقة .
وقال له . ياغلام . اتعرف اباك .
قال زيد . نعم . انا زيد بن حارثة بن شرحبيل بن كعب الكلبي .
فنظر ﷺ الى خديجة وقال . أجل إن دمه عربي وروحه تدل على ذلك .
قالت خديجة . أراه قد شد انتباهك وإني قد وهبته لك وأجعل رقبته في يدك فافعل به ماتشاء .
فأخذه النبي ﷺ ونظر اليه ثم قال . ياغلام انت حر لوجه الله تعالى .
إن شئت أقم في بيت محمد معززا مكرما . وإن شئت أن ترجع لأهلك فارجع .
عندما رأى زيد هذه الرأفة والرحمة والحنان من رسول الله ﷺ قال .
بل أبقى معك .
فأقام زيد في بيت النبي ﷺ حر طليق . لاعبدا ولا خادم .
وما زال يتربى ويتعلم من مكارا الاخلاق في بيت النبوة .
أحبه النبي ﷺ وأحب النبي رضي الله عنه .
كان خفيف الظل والروح وشخصيته محبوبة وكان مخلصآ للنبي ﷺ .
مضت الايام وأهل زيد بن حارثة يبحثون عنه بين العرب .
وسمعوا ابوه أن زيد في مكة عند رجل اسمه محمد .
فجاء ابوه واعمامه ودخلوا مكة واخذوا يسألوا عن محمد بن عبد الله .
فأشاروا اليه وكان ﷺ جالسآ مع اصحاب له .
قدموا اليه وسلموا على القوم .
قال ابو زيد . يا محمد يا ابن سيد قومه .
انكم أهل حرم تفكون العاني وتطلقون الأسير وتعينوا على مواقف الدهر .
ولقد اتينا نفدي ولدنا .
قال ﷺ . وما ذاك .
قال . ابني زيد وأنا حارثة وهذا عمه .
وقد علمنا أن ولدنا عندك . ونحن نفديه بالمال . فاطلب ماشئت .
قال ﷺ . ألا لكم خير من هذا .
"احسن من ان تدفعوا المال . أعطيكم خيار افضل"
قال . وما هو .
قال ﷺ . نرسل الى زيد ونخيره . فإن اختاركم فهو لكم .
وأن اختارني فما انا بالذي يختار على من يختارني من شيء .
قال عمه لزيد . أنصفت وعدلت وزدت في العدل .
فارسل النبي ﷺ في طلب زيد وهو جالس معهم لم يغادرهم .
حضر زيد فرأى أبوه وعمه فعرفهم وذهب مسرعآ نحوهم وعانقهم .
قال له النبي ﷺ . يازيد أتعرف هؤلاء القوم .
قال زيد . نعم هذا ابي حارثة وهذا عمي فلان وهذا فلان وهذا فلان من قومي .
قال النبي ﷺ . اجلس يا زيد . فجلس .
يا زيد . القوم قدموا لفدائك وانا أخيرك بيني وبينهم .
إن اخترتهم فأنت لهم بلا فداء . وإن اخترتني كان لي معك شأن آخر .
نظر زيد الى القوم ونظر الى النبي ﷺ .
وقال . ما انا بالذي يختار عليك أحد . اخترتك يا ابا القاسم .
صاح عمه وابوه . زيد زيد لا أم لك ... اتختار العبودية على الحرية .
"لا أم لك . شتيمة محببة عند العرب تعني . تعدمك امك"
قال زيد . واشار الى النبي ﷺ . لوعرفتم هذا الرجل وعشتم معه لاخترتم ان تكونوا عبيد عنده .
هل تعلمون انه اعطاني حريتي من اليوم الاول . وانا اعيش في بيته كواحد من اهله .
ثم نظر الى النبي ﷺ وقال . اختارك انت يا ابا القاسم .
أمسك النبي ﷺ بيد زيد ووقف في صحن الكعبة ونادى .
يامعشر قريش ويامن حضر من العرب . اشهدوا أن زيد ابن محمد يرثني وأرثه .
هو من اليوم ابني .
"كان من عادة العرب التبني قبل ان ينزل الوحي والقرآن ويبطل التبني"
فلما نزل الوحي بطل التبني .
ادْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ هُوَ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ ۚ فَإِن لَّمْ تَعْلَمُوا آبَاءَهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ ۚ وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكِن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ ۚ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (5)
سورة الاحزاب .
عندما سمع ابو زيد وعمه أن ابنهم اصبح ابن محمد ابن اشراف مكة والعرب فرحوا .
وقالوا . يامحمد . لقد اكرمتنا اكثر مما توقعنا .
وعادوا الى ديارهم وهم فرحين وتركوا ابنهم مع هذا الشرف العظيم في مكة .